فخر الدين الرازي

159

القضاء والقدر

والمتشابهات ، وأن كلها « من عند » اللّه ، حكى عنهم أنهم تضرعوا في أن لا يجعل قلبهم مائلا إلى الباطل ، بعد أن جعله مائلا إلى الحق . فهذا كلام عقلي برهاني قاطع متأكد بهذا التقرير القرآني . فإن قيل : لما دلت الدلائل على أن الزيغ لا يجوز أن يخلقه اللّه تعالى ، وجب حمل هذه الآية على التأويل . وهو من وجوه : الأول : قال « الجبائي » « 1 » : المراد بقوله : لا تُزِغْ قُلُوبَنا أي لا تمنعها الألطاف التي معها تستمر القلوب على صفة الإيمان . وذلك لأنه تعالى لما منعهم ألطافه عندما صاروا مستحقين لذلك المنع ، جاز أن يقال : إنه تعالى أزاغهم . ويدل على صحة هذا الوجه : قوله تعالى : فَلَمَّا زاغُوا ، أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ « 2 » . قال : « أبو بكر الأصم » « 3 » : معناه : لا تسلط علينا بلايا ، تزيغ عندها قلوبنا . وهو كقوله تعالى : وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ : أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ، أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ . ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ « 4 » وقال : لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ ، لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ « 5 » فصار حاصل هذا الوجه : لا تكلفنا من العبادات ما لا نأمن معها من الزيغ . وقد يقول القائل : لا تحملني على إيذائك ، وعلى سوء الأدب عندك . أي لا تفعل بي ما أصير عنده سيئ الأدب عندك . الثالث : قال « الكعبي » : لا تُزِغْ قُلُوبَنا أي لا تسمنا باسم الزائغ ، كما يقال : فلان يكفر فلانا ، إذا سماه كافرا . الرابع : قال « الجبائي » : لا تُزِغْ قُلُوبَنا عن طريق الجنة ، ودار الثواب . ويرجع حاصله إلى فعل الألطاف . فيكون هذا هو الوجه الأول . أو يحمل ذلك على شيء آخر . وهو أنه تعالى : إذا علم أنه مؤمن في الحال ، وعلم أنه لو بقي إلى السنة الثانية : كفر . فقوله : لا تُزِغْ قُلُوبَنا محمول على أن يميته قبل أن يصير كافرا . فإن أبقاه حيا إلى السنة الثانية ، يجري مجرى ما إذا أزاغه عن طريق الجنة . الخامس : قال « الأصم » : لا تُزِغْ قُلُوبَنا عن كمال العقل بسبب خلق الجنون فينا

--> ( 1 ) تقدمت ترجمته . ( 2 ) سورة الصف الآية 5 . ( 3 ) هو أبو بكر عبد الرحمن بن كيسان الأصم . كان من المعتزلة - الطبقة السادسة عند ابن المرتضى « كان من أفصح الناس وأفقههم خلا أنه كان يخطئ عليا عليه السلام في كثير من أفعاله ويصوب معاوية في بعض أفعاله . . . وله تفسير عجيب وكان جليل المقدار يكاتبه السلطان . . . ولأبي الهذيل معه مناظرات » ( طبقات المعتزلة ص 57 ) . وكان معاصرا لهشام بن الحكم - المتوفي سنة 190 ه - أنظر أيضا لسان الميزان لابن حجر 3 / 427 ؛ الفصل لابن حزم 3 / 34 وتاريخ التراث العربي 2 / 395 . ( 4 ) سورة النساء الآية 66 . ( 5 ) سورة الزخرف الآية 33 .